فخر الدين الرازي

303

تفسير الرازي

و * ( عسى ) * وعد من الله تعالى : * ( وبين الذين عاديتم منهم مودة ) * يريد نفراً من قريش آمنوا بعد فتح مكة ، منهم أبو سفيان بن حرب ، وأبو سفيان بن الحرث ، والحرث بن هشام ، وسهيل بن عمرو ، وحكيم بن حزام ، والله تعالى قادر على تقليب القلوب ، وتغيير الأحوال ، وتسهيل أسباب المودة ، * ( والله غفور رحيم ) * بهم إذا تابوا وأسلموا ، ورجعوا إلى حضرة الله تعالى ، قال بعضهم : لا تهجروا كل الهجر ، فإن الله مطلع على الخفيات والسرائر . ويروى : أحبب حبيبك هوناً ما ، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما . ومن المباحث في هذه الحكمة هو أن قوله تعالى : * ( ربنا لا تجعلنا فتنة ) * إذا كان تأويله : لا تسلط علينا أعداءنا مثلاً ، فلم ترك هذا ، وأتى بذلك ؟ فنقول : إذا كان ذلك بحيث يحتمل أن يكون عبارة عن هذا ، فإذا أتى به فكأنه أتى بهذا وذلك ، وفيه من الفوائد ما ليس في الاقتصار على واحد من تلك التأويلات . الثاني : لقائل أن يقول : ما الفائدة في قوله تعالى : * ( واغفر لنا ربنا ) * وقد كان الكلام مرتباً إذا قيل : لا تجعلنا فتنة للذين كفروا إنك أنت العزيز الحكيم فنقول : إنهم طلبوا البراءة عن الفتنة ، والبراءة عن الفتنة لا يمكن وجودها بدون المغفرة ، إذ العاصي لو لم يكن مغفوراً كان مقهوراً بقهر العذاب ، وذلك فتنة ، إذ الفتنة عبارة عن كونه مقهوراً ، و * ( الحميد ) * قد يكون بمعنى الحامد ، وبمعنى المحمود ، فالمحمود أي يستحق الحمد من خلقه بما أنعم عليهم ، والحامد أي يحمد الخلق ، ويشكرهم حيث يجزيهم بالكثير من الثواب عن القليل من الأعمال . ثم إنه تعالى بعدما ذكر من ترك انقطاع المؤمنين بالكلية عن الكفار رخص في صلة الذين لم يقاتلوهم من الكفار فقال : * ( لاَّ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) * . اختلفوا في المراد من * ( الذين لم يقاتلوكم ) * فالأكثرون على أنهم أهل العهد الذين عاهدوا